محمد بن جرير الطبري
359
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
في قلوبهم العجل ) تأويل من قال : وأشربوا في قلوبهم حب العجل . لأن الماء لا يقال منه : أشرب فلان في قلبه ، وإنما يقال ذلك في حب الشيء ، فيقال منه : " أشرب قلب فلان حب كذا " ، بمعنى سقي ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه ، كما قال زهير : فصحوت عنها بعد حب داخل . . . والحب يُشْرَبُه فؤادُك داء ( 1 ) قال أبو جعفر : ولكنه ترك ذكر " الحب " اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام . إذ كان معلوما أن العجل لا يُشرِب القلب ، وأن الذي يشرب القلب منه حبه ، كما قال جل ثناؤه : ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ) [ سورة الأعراف : 163 ] ، ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ) [ يوسف : 82 ] ، وكما قال الشاعر : ( 2 ) ألا إنني سُقِّيت أسود حالكا . . . ألا بَجَلِي من الشراب ألا بَجَل ( 3 )
--> ( 1 ) ديوانه : 339 ، وهو هناك " تشربه " بضم التاء وسكون الشين وكسر الراء ونصب " فؤادك " ، وشرحه فيه دليل على ذلك ، فإنه قال : " تدخله " وقال : " تشربه " تلزمه ولكن استدلال الطبري ، كما ترى يدل على ضبطه مبنيا للمجهول ، ورفع " فؤادك " . وحب داخل ، وداء داخل : قد خالط الجوف فأدخل الفساد على العقل والبدن . ( 2 ) هو طرفة بن العبد . ( 3 ) ديوانه : 343 ( أشعار الستة الجاهليين ) ، ونوادر أبي زيد : 83 ، واللسان ( سود ) . واختلف فيما أراد بقوله : " أسود " . قيل : الماء ، وقيل : المنية والموت . قال أبو زيد في نوادره : " يقال ما سقاني فلان من سويد قطرة ، ( سويد : بالتصغير ) هو الماء ، يدعى الأسود " . واستدل بالبيت . والصواب في ذلك أن يقال كما قال الطبري ، ويعني به : سوء ما لقى من هم وشقاء حالك في حب صاحبته الحنظلية ، التي ذكرها في شعره هذا قبل البيت : فقل لخيال الحنظلية ينقلب . . . إليها ، فإني واصل حبل من وصل ألا إنما أبكى ليوم لقيته . . . بجرثم قاس ، كل ما بعده جلل إذا جاء ما لا بد منه فمرحبا . . . به حين يأتي - لا كذاب ولا علل ألا إنني . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويروى : " ألا بجلى من الحياة " ، وهي أجود . . ورواية الديوان واللسان : ( ألا إنني شربت ) ، والتي هنا أجود . وقوله : " بجل " ، أي حسبي ما سقيت منك ومن الحياة .